ابراهيم بن عمر البقاعي

324

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

على ألسنتها فأي طريقة قويمة شرعت لكم وأي كلام مليح أو بليغ وصل إليكم وأي آية كبرى أرتكموها - انتهى . ولما علم بهذا أن اللّه تعالى لم يأمرهم بشيء من ذلك ، صرح به نافيا أن يدل على ما وسموه به دليل فقال : ما ولما قدم في الأعراف ترك النافي للتدريج لما تقدم بما اقتضاه ، نفى هنا الإفعال النافي لأصل الفعل سواء كان بالتدريج أو غيره لأن المفصل لباب القرآن فهو للمقاصد ، وذلك كاف في ذم الهوى الذي هو مقصود السورة فقال : أَنْزَلَ اللَّهُ الذي له جميع صفات الكمال بِها أي بالاستحقاق للأسماء ولا لما وسمتموها به من الإلهية ، وأعرق في النفي بقوله : مِنْ سُلْطانٍ أي حجة تصلح مسلطا على ما يدعي فيها . ولما كان هذا النفي المستغرق موجبا للخصم إيساع الحيلة في ذكر دليل على أي وجه كان ، وكان هؤلاء قد أبلسوا عند سماع هذا الكلام ولم يجدوا ما يقولون ولا يجدوا ، فكان من حقهم أن يرجعوا فلم يرجعوا ، أعرض عنهم إيذانا بشديد الغبن قائلا : إِنْ أي ما يَتَّبِعُونَ أي في وقت من الأوقات في أمر هذه الأوثان بغاية جهدهم من أنها آلهة ، وأنها تشفع لهم أو تقربهم من اللّه إِلَّا الظَّنَّ أي غاية أمرهم لمن يحسن الظن بهم ، فالظن ترجيح أحد الجائزين على رغم الظان . ولما كان الظن قد يكون موافقا للحق مخالفا للهوى قال : وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ أي تشتهي ، وهي - لما لها من النقص - لا تشتهي أبدا إلا بما يهوي بها عن غاية أوجها إلى أسفل حضيضها ، وأما المعالي وحسن العواقب فإنما تشوق إليها العقل ، قال القشيري : فالظن الجميل باللّه فليس من هذا الباب ، والتباس عواقب الشخص عليه ليس من هذه الجملة بسبيل ، إنما الظن المعلول في اللّه وصفاته وأحكامه . وَلَقَدْ أي العجب أنهم يفعلون ذلك والحال أنه قد جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ أي المحسن إليهم الْهُدى * أي الكامل في بابه إلى الدين الحق الناطق بالكتاب الناطق بالصواب على لسان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، والرأي يقتضي أن من رأى الهدى تبعه ولو أتاه به عدوه ، فكيف إذا أتاه به من هو أفضل منه من عند من إحسانه لم ينقطع عنه قط . ولما كان التقدير : أعليهم أن يتركوا أهويتهم ويهتدوا بهدى ربهم الذي لا ملك لهم معه أَمْ لهم ما تمنوا - هكذا كان الأصل ، ولكنه ذكر الأصل الموجب لاتباع الهوى فقال : لِلْإِنْسانِ أي الآنس بنفسه المحسن لكل ما يأتي وما يذر ما تَمَنَّى * أي من اتباع ما يشتهي من جاه ومال وطول عمر ورفاهية عيش ومن كفره وعناده ، وقوله لَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى [ فصلت : 50 ] .